الرئيسية الدليل السياحي المغربي

قصبة الأوداية في الرباط موقع يختزل عظمة ثمانية قرون

«القدس العربي»: في الشمال الغربي للعاصمة المغربية الرباط، فوق صخرة تطل على مصب نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، تقع قصبة الأوداية، هناك حيث تجد العاصمة هويتها، وتسترجع ذكرياتها ومجدها وتاريخها، هناك حيث يقف الرباطيون ليتأملوا عظمة أجدادهم وبســـالة رجـــالهم الأولـــين، هناك بالضبط يفتح السياح أفواههم منبهرين بروعة المكان والمعمار.
يعود تاريخ قصبة الأوداية إلى ما قبل تأسيس دولة «الموحّدين» في المغرب، حيث إن سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين بنى عام 1140م على مصب نهر أبي رقراق رباطاً عسكرياً ودينياً أطلق عليه اسم قصر بني تاركة، والحفريات التي أجريت أخيراً بالقرب من الباب الكبير مكنت من العثور على بقايا أثرية تعود لهذه القلعة الوسيطية. وبعد مجيء الموحدين، عام 1150 أمر عبد المؤمن بن علي (أول الخلفاء الموحدين) ببناء قلعة على الضفة اليسرى لمصب أبي رقراق وسماها المهدية، نسبة إلى المهدي بن تومرت الزعيم الروحي للموحدين. لعبت هذه القصبة دوراً هاماً حتى وفاة مؤسسها، حيث فقدت أهميتها وأهملت، لتحل محلها مدينة رباط الفتح الجديدة، التي بناها يعقوب المنصور، من أهم المعالم الحضارية لمدينة الرباط.
في أول زيارة للقصبة، ستستنشق بأسوارها التاريخية ومبانيها عبق الحضارة والأصالة، وتشدك روعة آثارها الضخمة الشاهدة على عظمة التاريخ في كل أرجاء المدينة، ويأسرك سحرها بإطلالتها الجميلة على المحيط، وتربطك أصوات أمواجه المتكسرة على الساحل. فبجدرانه القوية والصلبة، المطلية بالطين، وأبوابه كبيرة الحجم تعلو إطارها زخارف ونقوش، وأبراجه الملتحمة بجدران القصبة الذي تتخلله نوافذ صغيرة الحجم تبرز منها فوهات مدافع حربية، يختزل هذا الموقع تاريخ المغرب، وتتجاور فيه آثار الدول التي حكمت البلاد خلال القرون العشرة الماضية.

حديقة أندلسية

تتميز قصبة الأوداية بحديقتها الأندلسية التي يعتبرها سكان الرباط من العشاق والطلبة، متنفساً ومكاناً للاسترخاء والاستجمام صيفاً وشتاء، وعادة ما يقضي الزائر فسحة النهار متجولا في الحديقة، أو في مقاهيها التقليدية التي تعج يوميا بمجموعات سياحية قادمة من مختلف الأصقاع للاستمتاع بالمنظر البانورامي الذي يجمع بين الأوداية وضفة أبي رقراق ومدينة سلا وما جاورها. وهنا يتذوق الزوار الشاي الأخضر بالنعناع الــذي يجري تحضيره على الطريقة المغربية المعروفة باسم «الزيزوا» والحلوى المغربية بنكهة خاصة.
في حديث مع «القدس العربي»، عبر ميركو وهو سائح إيطالي، عن اندهاشه بجمال المكان وسحره قائلا: «دهشت لروعة هذا المكان الرائع الهادئ التي يحمل تاريخا حافلا، على المغاربة والرباطيين على وجه الخصوص الافتخار به، كما أنني الآن فخور بزيارة هذه المعلمة التي لا مثيل لها».
يقول سعيد، أحد عشاق المكان وزواره الأوفياء: «لي ذكريات جميلة مع هذه القصبة الرائعة، حيث كنت أحتسي كؤوس الشاي مع صحن من حلويات كعب الغزال والغريبة، في المقهى المطلة على الوادي مع أصدقاء الدرب والــدراسة. هذه المقهى العريقة التي تسمى مقهى «الموريسكي». أما عن السباحة فهذا حديث آخر، إذ تذكرني هذه القلعة العريقة بالقفز والغوص في منطقة تلاقي الوادي بالبحر في مكان يسمى «بركامة» حيث متعة القفز والسباحة».

مسجد ومتحف ومهرجانات

ومن الأماكن التي تزيد من قيمة القصبة، المسجد العتيق، وهو من أقدم المساجد التي بنيت في الرباط، وكان قد بني للجيوش وسكان قصر العلويين الذي أصبح حالياً متحفاً تنظم فيه معارض ولقاءات مغربية ودولية ومؤتمرات وحفلات. بالإضافة إلى متحفها الذي يعتبر خزانا ثريا من الخزف ومختارات بديعة من الأزياء القديمة والمجوهرات والزرابي والآلات الموسيقية.
وبهذا أصبح المكان، مكانا مفضلا لصفوة من الأعيان والفنانين، كما بات مسرحا تقام عليه المهرجانات الفنية مثل مهرجان «جاز الأوداية» الذي ينظم سنويا داخل أسواره الشاهقة بمشاركة أشهر فرق الجاز في العالم.
بسحرها الذي لا يضاهى أوقعت قصبة الأوداية عددا من الشخصيات المرموقة منهم أمراء وفنانون ودكاترة وسياسيون، ممن حولوا عددا من المنازل إلى إقامة خاصة بهم. ومن الفنانين التشكيليين نجد مونتيل ولوران ولويغا الذي بنى رواقاً خاصاً به، بالإضافة إلى الفنانين التشكيليين المغاربة محمد بناني والغرملي وغيرهما.

مدينة في قلب مدينة

يقول الفنان المغربي حسن ميكري، الذي اختار هذا المكان مستقرا له منذ 37 سنة، قادما إليه من مدينة وجدة: «إن الأوداية عبارة عن مدينة أخرى في قلب الرباط، وهي مكان سحري وخارق للعادة، الإنارة التي توجد فيه ليست كما في الرباط، هنا يمكن الاستمتاع ومشاهدة شروق الشمس وغروبها بوضوح. ثم أن حميمية المكان وشاعريته، باتا مصدر إلهام للكثير من الفنانين، حيث صورت فيه العديد من الفيديو كليبات المغربية ومجموعة من الأفلام السينمائية والريبورتاجات». وأضاف ميكري، الذي يستقر في منزل يوجد فوق «برج القراصنة» أن «الامتزاج الذي عرفه سكان منطقة الأوداية جعلها تبدو مدينة مخضرمة، بشكل بناياتها التي تتخذ بعضها الشكل الأندلسي العتيق، وبعضها الآخر الذي بني على الطريقة الغربية».
يمكن الدخول إلى القصبة من ثلاثة أبواب مزخرفة بنقوش عربية وكتابات كوفية بديعة، تعطي المبنى منظراً رائعا، وتجعل منه معلما متميزا، أكبرها الباب الأثري المؤدي إلى «سوق الغزل» والثاني هو الباب الواقع بين الباب الأول والبرج، وهو حديث العهد يرجع تاريخه إلى العصر العلوي، بينما يقوم الباب الثالث العتيق قبالة الجهة الشمالية الشرقية للمتحف. وتقود أبوابها المشرعة على جهة المحيط إلى ممرات مكونة من فتحتين يحميهما باب من خشب الأرز المسلح بالحديد والمزخرف بمسامير حديدية. كلها محاطة بسور على طول نهر أبي رقراق تجاه البحر ونحو السهل البري، ويحتوي السور على ثلاثة أبراج تحمي مدينة الرباط من جهة البحر، وهي «الصقالة» قبالة القصبة و«برج الدار» و«برج الصراط» ويصل فيما بينها سور بحري مشيد فوق الصخر على طول ضفة الساحل. وعند منطقة التقاء النهر بالمحيط تنتشر زوارق رياضية، وأخرى شراعية يستأجرها السياح لممارسة هواياتهم بالتجديف لمسافات طويلة.
«سفينة الضوء»

بعد التجول داخل أزقة الأوداية، وبين جنبات أسوارها، واحتساء الشاي المنعنع، لابد من أن تأخذ وجبة غذاء على متن «سفينة الضوء» التي تشكل لوحة فنية عائمة على ضفاف أبي رقراق، قادمة من الهند، زادت المكان سحرا وجاذبية لا نظير لهما.
من شرفاتها، يمكنك أن تتمتع بجلسة مطلة على مدينة سلا وبطبق السمك المشوي على الفحم أمام نظرك، تسترجع تاريخ مدينة الرباط وقصص القراصنة الذين كانت تتصدى لهم بأسوارها وأبوابها الضخمة.
ومن الجهة الأخرى يمكنك الاستمتاع بإحدى إبداعات «ملوك الموحدين» الذين حكموا المغرب وقتئذ، أجواء تجعلك تسأل نفسك: من أين أتيت؟ وإلى أي زمن تنتسب؟
هذه السفينة، التي تم تشييدها عام 2009 بكلفة مالية طائلة، تجاوزت تكلفة إنجاز المشروع 20 مليون درهم، ومساحتها تبلغ 500 متر مربع، وتزن حوالي مئتي طن وتصل قدرتها الاستيعابية إلى أكثر من مئة شخص، أضحت اليوم مطعما راقيا يتوافد عليه عشاق الهدوء وسط ديكورات جميلة ومتناسقة تعطي للسفينة وللمكان رونقا غير اعتيادي، ويبدو واضحا وجليا أنها اختيرت بعناية فائقة.
يمزج مطعمها بين مختلف التخصصات، وتهدف إلى تلبية كل الأذواق والرغبات، ويلذ فيه تناول أطباق من مختلف أنحاء العالم ومن مطاعم وأكلات متنوعة. وفي الطابق الأسفل يوجد الصالون، وهو يصلح للمناسبات العائلية، أو لتنظيم لقاءات بين الأسر والأصدقاء، كما يمكن تنظيم حفلات وسهرات بداخله. بالإضافة إلى دبكة خشبية صغيرة لموسيقيين يعزفون أوتارهم على إيقاعات العالم.
نالت هذه التحفة الفنية، إعجاب آلاف الناس، منذ وصولها إلى الرباط، وغدت مكانا مناسبا للقاء الراغبين في أجواء رومانسية، كما تعتبر فضاء ملائما لرجال الأعمال، ومكانا للأسر يمكن أن تسترخي فيه، وتفلت لساعات من ضغوط وإيقاع الحياة اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *